كوركيس عواد

35

خزائن الكتب القديمة في العراق منذ أقدم العصور حتى سنة 1000 للهجرة

فقلت : لعل ما دفنوا من كتبهم ، فيها شيء من الرأي ، فما رأوا أن يعمل الناس به . ولقد روينا في الحديث ، عن أحمد بن أبي الحواري : انه أخذ كتبه فرمى بها في البحر وقال : نعم الدليل كنت ، ولا حاجة لنا إلى الدليل بعد الوصول إلى المدلول . وهذا إذا أحسنا به الظن . قلنا : كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه ، فأما إذا كانت علوما صحيحة ، كان هذا من أفحش الإضاعة . وأنا وإن تأولت لهم هذا ، فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم ، لأنا قد روينا عن سفيان الثوري : انه قد أوصى بدفن كتبه ، وكان ندم على أشياء كتبها عن قوم . وقال : حملني شهوة الحديث - وهذا لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين - فكأنه لما عسر عليه التمييز ، أوصى بدفن الكل . وكذلك من كان له رأي من كلامه ثم رجع عنه ، جاز أن يدفن الكتب التي فيها ذلك . فهذا وجه التأويل للعلماء . فأما المتزهدون الذين رأوا صورة فعل العلماء ودفنوا كتبا صالحة لئلا تشغلهم عن التعبد ، فإنه جهل منهم ، لأنهم شرعوا في إطفاء مصباح يضيء لهم مع الاقدام على تضييع ما لا يحل . ومن جملة من عمل بواقعة دفن كتب العلم ، يوسف بن أسباط ، ثم لم يصبر عن التحديث ، فخلط ، فعد في الضعفاء . أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك ، قال : أخبرنا محمد بن المظفر الشامي ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي ، قال : حدثنا يوسف بن خالد الخلال ، قال : سمعت شعيب بن حرب يقول : قلت ليوسف بن أسباط : كيف صنعت بكتبك ؟ قال : جئت إلى الجزيرة ، فلما نضب الماء دفنتها حتى جاء الماء عليها ، فذهبت . قلت : ما حملك على ذلك ؟ قال : أردت أن يكون الهمّ هما واحدا . قال العقيلي : وحدثني آدم ، قال : سمعت البخاري قال : قال صدقة : دفن يوسف بن أسباط كتبه ، وكان بعد يغلب عليه ، فلا يجئ كما ينبغي . وقال المؤلف : قلت : الظاهر أن هذه كتب علم ينفع ، ولكن قلة العلم أوجبت هذا التفريط الذي قصد به الخير ، وهو شر . فلو كانت كتبه من جنس كتب الثوري ، فان فيها عن ضعفاء ولم يصح له التمييز ، قرب الحال إنما تعليله بجمع الهم ، - هو الدليل على أنها ليست كذلك . فانظر إلى قلة العلم ،